محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي
18
كشف الأسرار النورانية القرآنية
مسنون ، ثم من صلصال كالفخار ، ولا شكّ أنه تعالى قادر على خلقه من أي جنس من الأجسام كان ، بل هو قادر على خلقه ابتداء من غير شيء ، وإنما خلقه على هذا الوجه ، إما لمحض المشيئة ، وإما لما في ذلك من دلالة الملائكة على الاعتراف بقدرته ، وفي ذلك كمال معرفتهم وزيادة مصلحتهم ؛ لأن خلق الإنسان من هذه الأشياء أعجب من خلقه من شكله وجنسه . [ المسألة الثالثة : في إجمال تفسير الآية السابقة وكيفية تصور آدم عليه السلام كهيئة الصور ] المسألة الثالثة : في إجمال تفسير الآية السابقة وهي قوله تعالى : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ [ الحجر : الآية 26 ] إلى آخرها ، أي هذا النوع الإنساني خلقنا أصله وأول فرد من أفراده خلقا بديعا منطويا على خلق سائر أفراده انطواء إجماليا من صلصال من طين يابس غير مطبوخ يصلل ، أي بصوت عند نقره إذا نقر عليه . وقوله : مِنْ حَمَإٍ [ الحجر : الآية 26 ] . أي من طين تغير واسود بطول مجاورة الماء ، وهو صفة لصلصال ، أي من صلصال كائن من حمأ مسنون ، أي مصور من سنة الوجه ، وهي صورته ، أو مصبوب من سن الماء صبه ، أي مفرغ على هيئة الإنسان ، كما تفرغ الصور من الجواهر في القوالب ، وقيل : منتن . فهو صفة لحمأ ، وعلى الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال ، وإنما أخر عن حمأ تنبيها على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالا ، بل في حال كونه حمأ ، كأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال الإنسان أجوف ، فيبس حتى إذا نقر صوت ، ثم غيره إلى جوهر آخر ، وذلك الجوهر على ما قيل مادة لحمية غروية ، فتنوعت فنشأ منها جميع الجسم ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين . « في بيان هذه المادة اللحمية الغروية » : وفيه مباحث : المبحث الأول : « في تشكيل هذه المادة » : قال علماء هذا الفن - وهم الطبيعيون - : إن أول هذه المادّة كان جوهرا متماثلا ، ثم بعد مدّة تشكل بثلاثة أشكال متميزة عن بعضها ، تكونت منها البنية الحيوانية ، وتلك الأشكال هي المادّة الغروية والمادّة الليفية والزلالية ، وكل منها يتكوّن منه جملة أنسجة ، فأما المادّة الغروية التي يظهر أنها أكثر بساطة من الليفية والزلالية وهي مولدة لهما ، فهي منتشرة في جميع الأعضاء ؛ لأن منها يتكون أساس النسج الخلوي الذي هو أوّل ما يظهر في ابتداء نمو البنية ، وتتكوّن في وسطه الأعضاء ، ويربط بعضها ببعض ، والعظام التي هي دعائم الجسم تتكون من تلك المادّة ، وأما المادّة الليفية التي هي أكثر أجزاء الدم ، فهي المكونة للحم بخلقه تعالى ،